ابن ميثم البحراني
401
شرح نهج البلاغة
الضمير في أخذ للَّه وفي ميثاقه للكتاب ، وذلك الأخذ هو خلقهم وبعثهم إلى الوجود إلى أن يعملوا بما اشتمل عليه الكتاب من مطالب اللَّه الحقّة ، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم « وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » ( 1 ) الآية ، والتقدير أخذ عليهم ميثاق بما فيه . وقوله : وارتهن عليه أنفسهم . أي جعل أنفسهم رهنا على العمل بما فيه والوفاء به « فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً » ( 2 ) ، وأتمّ به نوره : أي نور هدايته للخلق ، والنور المتمّم هو نور النبوّة وهو المشار إليه بقوله تعالى « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ ويَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ » ( 3 ) وإطفائُه بما كانوا يقولونه من كونه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم معلَّم مجنون وساحر كذّاب ، وكون القرآن أساطير الأوّلين اكتتبها . وكذلك أكرم به دينه . وقوله : وقبض نبيّه . إلى قوله : به . كقوله تعالى « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » الآية ، وأحكام الهدى بيان طرقه وكيفيّة سلوكها وتثبيتها في قلوب المؤمنين . ثمّ أمر بتعظيم اللَّه سبحانه وتعالى . يقال : عظَّمت من فلان . كما يقال : عظَّمته ، وما هنا مصدريّة : أي عظَّموه كتعظيمه نفسه : أي اطلبوا المناسبة في تعظيمكم له كتعظيمه نفسه . ثمّ أشار إلى وجه وجوب تعظيمنا له وهو قوله : لم يخف عنكم شيئا من دينه بل كشفه لنا وبيّنه بأجمعه بقدر الإمكان ، ولم يترك شيئا من مراضيه ومكارهه إلَّا نصب عليه علما ظاهرا أو آية واضحة من كتابه يشتمل على أمر بما يرضيه أو زجر عمّا يكرهه . وقوله : فرضاه فيما بقي واحد وسخطه فيما بقي واحد . إشارة إلى أنّ المرضيّ له من الأحكام أو المسخوط فيما مضى هو المرضيّ أو المسخوط فيما بقي من الأوقات واستقبل من الزمان ، وحكمه في كونه مرضيّا أو مسخوطا واحد في جميع الأوقات لا يتغيّر ولا ينقض ، وفيه إيماء إلى أنّ رفع شيء
--> ( 1 ) 7 - 171 ( 2 ) 48 - 10 . ( 3 ) 9 - 32 .